القرطبي

79

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الحق الذي في ظهورها وبقى الحق الذي في رقابها ، قيل : قد روى " لا ينسى حق الله فيها " ولا فرق بين قوله : " حق الله فيها " أو " في رقابها وظهورها " فإن المعنى يرجع إلى شئ واحد ، لان الحق يتعلق بجملتها . وقد قال جماعة من العلماء : إن الحق هنا حسن ملكها وتعهد شبعها والاحسان إليها وركوبها غير مشقوق عليها ، كما جاء في الحديث " لا تتخذوا ظهورها كراسي " . وإنما خص رقابها بالذكر لان الرقاب والأعناق تستعار كثيرا في مواضع الحقوق اللازمة والفروض الواجبة ، ومنه قوله تعالى : " فتحرير رقبة مؤمنة ( 1 ) " وكثر عندهم استعمال ذلك واستعارته حتى جعلوه في الرباع والأموال ، ألا ترى قول كثير : غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال وأيضا فإن الحيوان الذي تجب فيه الزكاة له نصاب من جنسه ، ولما خرجت الخيل عن ذلك علمنا سقوط الزكاة فيها . وأيضا فإيجابه الزكاة في إناثها منفردة دون الذكور تناقض منه . وليس في الحديث فصل بينهما . ونقيس الإناث على الذكور في نفى الصدقة بأنه حيوان مقتنى لنسله لا لدره ، ولا تجب الزكاة في ذكوره فلم تجب في إناثه كالبغال والحمير . وقد روى عنه أنه لا زكاة في إناثها وإن انفردت كذكورها منفردة : وهذا الذي عليه الجمهور . قال ابن عبد البر : الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيح من حديث الزهري وغيره . وقد روى من حديث مالك ، ورواه عنه جويرية عن الزهري أن السائب بن يزيد قال : لقد رأيت أبى يقوم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى عمر . وهذا حجة لأبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان ، لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار أوجب الزكاة في الخيل غيرهما . تفرد به جويرية عن مالك وهو ثقة . الثامنة - قوله تعالى : " وزينة " منصوب بإضمار فعل ، المعنى : وجعلها زينة . وقيل : هو مفعول من أجله . والزينة : ما يتزين به ، وهذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الإبل عز

--> ( 1 ) راجع ج 5 ص ( 2 ) الغمر : الماء الكثير . ورجل الغمر الرداء ، وغمر الخلق ، أي واسع الخلق . كثير المعروف سخى .